ج او هابنسترايت ( تعريب : ناصر الدين سعيدوني )

23

رحلة العالم الألماني

وأنكم تستطيعون الاعتماد على حمايته " ، وقبل أن ننصرف من عنده أعطى لكل واحد منا برتقالة حلوة المذاق تعبيرا عن القبول الحسن الذي حظينا به لديه . لقد حملت معي من مرسيليا مشروبات روحية وعلبا من المربى ، فقمت بتوزيعها على موظفي قصر الداي من الضباط حسبما تقتضيه العادة عند القيام بالزيارة ، وبعد هذه الإجراءات لم يعد أي أحد يثير مخاوفنا ، سواء كان تركيا أو عربيا داخل المدينة أو خارجها ، بل أصبحنا محل تقدير لكوننا أجانب ولأننا نمتهن حرفة الطب أو التداوي بالأعشاب ، فقد اعتادوا على تسميتنا بالباربيرو « 1 » ، ومرد ذلك أنهم كانوا يروننا في أغلب الأحيان نحمل في أيدينا زهورا ونباتات ، وهذا يعتبر في حد ذاته أحسن وسيلة لضمان سلامتنا . لم تكن جهودي في إخفاء كوني طبيبا ذات جدوى ، فقد اعتقدت أنه من الخطأ بل من المضر لمشاريعي في البحث أن أرفض وصف الأدوية لبعض كبار الشخصيات وخاصة الآغا « 2 » ، وهو ابن الداي الذي عرف المفعول الجيد للوصفات التي كنت أقوم بتحضيرها ، فقدم لي هدية في شكل لبوءة

--> ( 1 ) كلمة باربيرو ( Barbiero ) في لغة الفرانكا ( والتي هي خليط من لغات شعوب البحر المتوسط ) ، يقصد بها المشتغل بالطب أو المداوي بالأعشاب ، وغالبا ما يرادفها في اللسان الدارج كلمتا حلاق أو مزين لارتباط ممارسة الطب بالحجامة ، مع العلم بأن مهنة الطب تكاد تقتصر في العهد العثماني ، في الموانئ البحرية ومنها مدينة الجزائر ، على بعض الأطباء الأوربيين الذين اعتادوا معالجة بعض الشخصيات واكتسبوا من جراء ذلك احتراما وتقديرا لمعارفهم الطبية ، وهذا ما ساعد هابنسترايت الطبيب على النجاح في مهمته ومكنه من اكتساب صداقة الداي وابنه آغا العرب . ( 2 ) آغا العرب هو قائد فرق الجند بمدينة الجزائر والمتصرف في فرسان المخزن بإقليمها ( دار السلطان ) ، يكلف من طرف الداي بالمحافظة على الأمن وقمع حركات التمرد وضمان المواصلات واستخلاص الجباية ، وهذا ما وسع من صلاحيات هذا القائد العسكري وجعله يحتل المرتبة الثانية في سلك الموظفين المساعدين للداي ، بل جعله الحاكم الحقيقي لأوطان دار السلطان بسهل متيجة والساحل ( وهي أوطان : بني خليل ، بني موسى ، الخشنة ، السبت أو حجوط ، يسر ) وملحقاتها ببلاد القبائل وجهات التيطري